“أُمِّي بَعْدَ أُمِّي…
هكذا لخَّص الحافظ ابن حجر العسقلاني مشاعره تجاه أخته “ستِّ الركب” حين قال عبارته الخالدة: «وهي أمي بعد أمي»؛ عبارة تختزل معاني الوفاء، والامتنان، والاعتراف العميق بالجميل.
فعلى الرغم من غزارة علمه، وعلو مكانته، وخلود اسمه في تاريخ الأمة؛ لم يجد حرجًا أن ينسب الفضل لأخته، وأن يعلن انتفاعه بأدبها ورعايتها، في درسٍ بليغٍ يُعيد الاعتبار لمعاني الوفاء داخل الأسرة.
■ أما أختُ موسى عليه السلام، فهي نموذج قرآني خالد للذكاء، ورباطة الجأش، وحسن التصرف في أحلك الظروف؛ تحرَّكت بحكمةٍ تُنقذ أخاها الرضيع، وتحفظ مستقبل نبيٍّ وأمَّة، دون أن تثير ريبةً أو تلفت انتباهًا؛ فخلَّد الله موقفها في سورة القصص بقوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
■ وتأتي الشيماء بنت الحارث لتجسد وفاء النبوة، وعاطفة الأخوة التي لا تُطفئها السنون؛ فما إن عرفها النبي ﷺ حتى بسط لها رداءه الشريف، وأكرمها وأحسن إليها، في مشهدٍ إنسانيٍّ مهيب يُعلِّم الأمة كيف يكون الاحتفاء بالأخت، وكيف يُصان الود القديم.
■ أما أسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت الخطاب فهما نموذجٌ للأخت الشريكة في المبدأ والدعوة؛ فهذه تخاطر بنفسها في الهجرة نصرةً للحق، وتلك تثبت أمام قوة أخيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى تكون سببًا في واحدٍ من أعظم التحولات في تاريخ الإسلام.
فالأخت ليست مجرد صلة رحم؛ بل هي ذلك المزيج العجيب من حنان الأم، وحرص الأب، ووفاء الصديق، وسند العمر الذي يخفف قسوة الأيام ويمنح الحياة دفئها ومعناها.”